الجمعة، 13 أبريل، 2012

سنوات مع الخوف العراقى 2







طبق الفاصوليا البيضاء .. طبق رئيسى من المطبخ العراقى لكنه هنا و مع تلك التجربة المحفوفة بالقهر لم يعد كأى طبق بل لم يعد طبقاً غذائياً بالمرة إنه ككل مفردات الحياة العراقية من أضخم الأشياء إلى أتفهها يعنى بكل بساطة معادلة سياسية معقدة و مركبة و مخيفة فى آن واحد .. هكذا يتسرب إلىّ الخوف أنا أيضاً من مجرد ذكر اسم " طبق الفاصوليا البيضاء " كذلك الأثر الذى ترك فى نفس السجين العراقى " قيس " الذى مورست عليه كافة ألوان المركبات " السيكوباتية " داخل النفس البشرية من قبل أناس يتلذذون بالتعذيب و بالفاصوليا البيضاء معا .. و كأن أستاذتنا " هاديا سعيد " أرادت أن تلقى إلينا بأول الخيط من خلال إشارتها المرهفة لتقرير " ماريو فرغاس " فى جريدة اللموند الفرنسية لنتتبع أثرها و أثر زمن " القهر " العراقى حتى داخل المطبخ و على مائدة الطعام سواء كانت يومية متواضعة مرهقة من أثر الإنتظار فى طوابير الصبر على شح الزاد و الذات معاً أو كانت موائد عامرة لا ترضى النخوة العراقية و الكرم العربى المتأصل إلا بها للضيف فى الزيارات و المناسبات و مع كل مضغة و و كل " بلعة " و كل تنفس و كأن الإنسان العربى كتب عليه ألا يمارس السياسة إلا قهرا .. و غصبا ، تفرض عليه ليلا و نهار كغموس يمرر به لقمته ليقيم صلبه و صلب أبنائه على هياكل مكوناتها الخوف و القهر و الألم .. لذا فإن تعبير " جوّع كلبك يتبعك " الذى جاء فى المثل العراقى السائد فى زمن ما و ربما إلى الآن و الذى استشهدت به أستاذتنا " هاديا سعيد " فى هذا الفصل أرى برؤيتى المتواضعة أنه يحتاج إلى التأمل و التساؤل .. هل المقصود من تجويع الشعوب هو الرغبة فى التبعية حقا ؟ أم أن هناك سادية ما مأخوذة من نفس المنطق الذى تفضل به " الزعيم " و قاله ببساطة للأستاذة " هاديا سعيد " شخصيا حين برر قراره بفصله لها بأنه ( أهم شخص فى الدولة ).. أكاد أحس أنه قرار كل " الزعماء " بالإستمتاع بحفلات القهر الجماعى لشعوبهم ليشعروا بقوتهم و تفرد مركزهم .. مثلهم فى ذلك مثل قائد السفينة الذى يغرق سفينته عامدا متعمدا ليستمتع بلذة انقاذها فى اللحظة الأخيرة .. هؤلاء الزعماء يسعون دائما إلى تلك اللحظة التى يهرع اليه مواطنيه يستصرخوه أن يفك أسر فلان أو يعفو عن فلان أو حتى يعفو عن بطونهم و بطون و أحلام أطفالهم .. هذا الإستصراخ و الإحساس بالقهر و الذل أمام " الكبار " لا يكرس لأى تبعية و إلا لكانت حاشية و زبانية الزعماء أولى بذلك التجويع .. و لكن لذة قهر الشعوب له لذة أخرى لدى القائمين عليها كلذة أطباق المائدة العراقية و أشهى فتتنوع و تتشكل و ترتفع قيمتها حسب درجة هذا القائم أو المسئول .. و ما بين هياكل الخوف التى تقيم بنيان الإنسان العراقى و هياكل الأنظمة القمعية أجد تلك العبارة المضيئة رغم ما يكتنفها من ألم و قهر تلك التى قالها " نبيل " الشاب العراقى الذى التقته و ساندته كاتبة هذه السيرة الرائعة فى مصحة خاصة بضحايا التعذيب و التى تكشف جانب إنسانى رائع من كاتبتنا القديرة أتمنى أن أقترب منه أكثر ذات يوم .. فيحدثنا نبيل عن سنوات القهر التى تلت الإنتفاضة التى حدثت سنة 1991 فى النجف ، و التى لم يشارك فيها لكنه بالتأكيد أصابه منها ما أصاب آلاف غيره فيقول : (( ربما لا يتخيل أحد يعيش على بعد أن تلك القبضة الحديدية الرهيبة التى أوهم فيها النظام الملايين ، لم تكن أكثر من هياكل عفنة . لقد نجح فقط فى إخافتنا )) و كأنه يذكرنا بالآية الكريمة فى سورة سبأ و التى تحكى عن جن سليمان :



((( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين )))



و نتابع مع أستاذتنا ملامح العراق المرتسمة على وجه نبيل تلك الملامح التى هدها القهر و الألم .. و حولها عذاب السجن إلى ملامح أخرى تحكى ذلك التاريخ الأسود فى سنوات الخوف العراقى .. فتأخذنى تلك الملامح إلى رحلة من التساؤلات .. ترى كم " نبيل " تعرض لكل تلك المآسى و لم تسمح له الظروف باللجوء إلى لندن و تلقى العلاج النفسى من أثر التعذيب ؟ بل كم نبيل ظل على قيد الحياة ؟ و كم " نبيل " فى عالمنا العربى كله ما زال يجنى حصاداً مراً مسموماً لم يزرعه بل زرعه غيره بكل الحقد و الشر فى أرضه قهرا و غصبا ؟ وكأنه كتب عليه أن يتجرع الإنكسار و الهزيمة مرتين مرة أثناء حدوث التعذيب و مرة بعد خروجه حياً من تلك النكبة و المأساة الكبرى و حمله لذلك التعذيب ما تبقى من سنى عمره و ربما يورثها لأطفاله أيضاً .. و تأخذنا ملامح " نبيل " المشوهة و هويته التائهة إلى نفس الملامح و الهوية لطائفته .. و كأن الأستاذة " هاديا سعيد " تلتقط صوراً توثيقية لما تبقى من أثر الهوية الشيعية فى عراق صدام حسين ما قبل التضييق و ما بعده و مرورا بالحدث الأهم و هو تلك الإنتفاضة التى حدثت عام 1991 فى النجف .. صورا و ملامح أكاد أتبينها للمرة الأولى عن الطقوس الشيعية بدءا من التوسل بالنذور و إضاءة الشموع و انتهاءاً بطقوس " اللطم " و ضرب الصدر .. ثم تربط كل ذلك بما وقع للشيعة فيما بعد و بما وقع للعراق بمشاركة الشيعة أيضاً عام 2003 أى عام سقوط بغداد فى براثن " الإحتلال " الأمريكى و أكاد أختلف مع نبيل و مع كاتبتى و أستاذتى " هاديا سعيد " لأول مرة .. ثم أكاد أتراجع عن هذا الإختلاف .. و أخيراً أقرر أن أقف فى منطقة وسطى و هى منطقة " الحيرة " ما بين الإختلاف و الإتفاق على الإستعانة بالأمريكان من قبل الشيعة العراقيين .. هل كان موقفا صحيحا أم خاطئاً ؟ لكن ما أستطيع أن أتلمسه هنا و أكاد أحس أنه يأخذ بيدى ليجعلنى أربط أشياءاً ببعضها ربما أكاد لا أراها رؤية واضحة .. فأحس كما لو أن الشيعة العراقيين قد مارسوا نفس طقوسهم مع المحتل الأمريكى " التوسط " و التوسل و النذور .. و أخيرا إيذاء النفس باللطم و دق الصدر و إصابة الجسد و كأنه يتخذ الطريق الأسهل بالنسبة له و الأبعد عن تحقيق الأمل و الهدف الذى لا يعرف له طريقا واضحا .. فيستسلم لإيذاء نفسه إن كان بيديه أم بإيدى الأمريكان الذى جلبهم بيديه ايضاً .. لكنها فى الحقيقة تركيبة شديدة التعقيد .. فمن جلب صدام لهذا الموقع الذى من خلاله جر العراق إلى كل تلك الويلات .. ؟ ومن كتب هذا السيناريو البائس للمنطقة بأسرها ؟ و كيف بنا ونحن أضعف ما يكون أن نفر من براثن و تشابك كل تلك السيناريوهات المحكمة .. سواء كان من المقرر أن ينفذها صدام أو ينفذها غيره ليحصدها الأمريكان و الصهاينة فى النهاية .. ماذا بإستطاعة إنسان أعزل يتقوت عليه الخوف و القهر يومياً .. خاصة حين تتكشف النهاية عن أهوال من أشلاء و جماجم و رفات و بقايا عمر و بقايا هوية .. ماذا كان بإستطاعته أن يفعل ؟ و لماذا ننتظر منه النبل فى زمن دفن فيه النبل مع تلك الشخصيات التى قيل أنها فقدت لتكتشف فيما بعد الإحتلال فى مقابر جماعية رهيبة .. و بالرغم من كل تلك الأهوال تعرض لنا أستاذتنا " هاديا سعيد " من خلال شخصية " نبيل " كم هو حجم ارتباطه و حنينه الجارف إلى العراق .. و كيف أنه ما زال صامدا أمام أى تيار يريد أن يذوبه فى وطن جديد .. صحيح أنه قرر أن " يبارك " هجمة الأمريكان لإقتلاع صدام .. لكنه منشطر نصفين ما بين روح ما زالت تسكن العراق رغم كل القهر و الخوف الساكن أيضا معهم هناك .. و ما بين رغبته فى التحرر من هذا " الغول " المخيف ايا كانت الوسائل و النتائج فيقول عندما سألته الإختصاصية الإنجليزية إن كان سيشارك فى المظاهرات المناهضة للحرب على العراق : (( نحن العراقيين أصبحنا مثل طفل يرجمه الشرير بالحجارة ثم بالعصى ثم ينقض عليه و الطفل ضعيف و قد حاول أن يدافع عن نفسه فلم يستطع فإلى من يشكو ؟ ألا يشكو إلى الأقرب ؟ إلى الأم و الأب مثلا ؟ لا يريد العرب أن يكونوا أما و أبا و كثيرون منهم ظلوا مع الشرير . طبعا ستكون أمريكا و بريطانيا هى الأم و الأب .. أليستا من أقوى بلدان العالم ؟ فلماذا لا نشكو إلى الأقوياء إذا كنا ضعفاء )) حقيقة لا أجد إجابة واضحة و محددة على ما تساءل عنه نبيل .. بل لا أجد إجابة واضحة و محددة عن كل تلك التساؤلات التى تعيد صياغة نفسها فى عقلى الذى تربى على أفكار محددة و قيم نعدها ثوابت .. فإذا بها تصطدم بواقع أقل ما يقال عنه أنه هزلى ليس به قيمة واحدة ثابتة بل حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يتبعون مبدءاً معينا و يكادوا يقنعوننى أنهم مستعدون للتضحية من أجله أجدهم أيضاً عند المحك يكيلون بأكثر من مكيال .. فعلى سبيل المثال جميعنا نحفظ فى قلوبنا و عقولنا قيمة الإنتماء إلى الوطن و الإستعداد للتضحية من أجله .. لكن كيف هو الحال إن اختصر الوطن و اختزل فى صورة " قائد " أو زعيم أو حزب معين يجبر حتى الأطفال على دخول الجيش و لو جيش " مصغر " أو دفع كل أفراد الشعب حتى من ألحق بنفسه " عاهة " كذريعة للهرب و يدفعهم دفعا إلى التدريب و الإستعداد لحرب مختلقة وهمية مع عدو آخر .. لماذا أقدم نفسى قرباناً لتضخيم ذات ذلك الزعيم ؟ و لماذا أزج بأطفالى فى آتون حرب لا أعرف عن أسبابها شيئاً و لا أؤمن بقضية ما تجاهها .. هل أصبح وطنى هو حزب البعث حتى أدافع عن " نزق " و حماقة و شراسة قادته ؟ حقيقة أحس أننى و أنا أقرأ تلك السيرة الذاتية للكاتبة المبدعة " هاديا سعيد " أنها لا تسلط الضوء على العراق فحسب أكاد أشعر أن العراق وطن ممتد من المحيط إلى الخليج .. أكاد أن أكون " نبيل " أو " قيس " أو أم خضير أو أى إنسان آخر يعيش تحت هذه الشمس العربية " الحارقة " و القاهرة و " الكاشفة " فلا يستطيع أحد الفرار أو الهرب . . و هذا ما أحسه تماماً و تصفه بدقة " موجعة " كاتبتنا حين رحلوا أخيراً إلى لبنان موطنها .. فإذا بها هى أيضاً نصفين كبيروت مدينتها الأم .. " هاديا سعيد " لم تستطع أن تفر من " عراقيتها " المكتسبة حتى و هى فى وطنها الأم لا هى قبلت أن تنفى عنها هواها العراقى و تدير له ظهرها و لا هم اعتبروها لبنانية " خالصة " لم يعد لها بالعراق أى صلة حتى لا يحسبوا عليها خطواتها و تنفسها فى أرضها .. حقيقة هذه هى المرة الأولى التى أدرك بقوة معنى تلك العبارة التى كان يرددها اللبنانيون دوما و هى أن " الكبار " يتخذون من بيروت ساحة لممارسة حماقتهم و دمويتهم .. و أكاد أضحك لكنه ضحك كالبكاء .. حين تخيلت سجناً كبيرا تمارس فيه كل ألوان التعذيب و رغم ذلك ملحق به " شرفة " واسعة تطل على كل ألوان الملذات و الحرية .. فطبيعى أن يحاول أغلب المسجونيين الهرب إلى تلك الشرفة .. و بالطبع بديهى أن يسعى سجانيهم إلى اصطيادهم من جديد فى تلك الشرفة .. لكن المفارقة أن السجانين أيضا يريدون أن يمارسوا حريتهم و يتنازعون مع مسجونيهم على تلك الشرفة ولكنهم هم أيضاً خائفين من آخرين ورائهم .. و هنا تصبح " الشرفة " مسرحاً لألعاب بهلوانية و سحرية و أيضا قتالية عنيفة .. لذلك تقول الأستاذة " هاديا سعيد" فى عبارة بليغة : (( لم يكن الخوف العراقى فى بيروت بأقل او أكثر من الخوف اللبنانى و ربما العربى بعد أن أصبحت بيروت ملجأ بعد أن كانت منارة )) ثم تضيف واصفة لبيروت التى لوحتها أثار لعب " الكبار " فتقول فى فقرة يلفها الشجن : (( لم تكن بيروت فى تلك الفترة كعهودها الماضية كريمة فى الترحاب و مساحات الحرية كأنها أصبحت ظل الحرية الواهن تتكىء على شرخ جعلها مدينين شرقية و غربية و هياكل مبان ٍ شهدت لحظة التحامها بعصر ذهبى جميل و مثمر و منعش و لو أنه كان أيضاً فوق سطح رخو . كانت مدينة مرهقة بكل الأيدلوجيات التى تترجم نفسها فوق أرضها بأشكال من العنف و الشراسة . كنت قد غادرتها قبل ثمانى سنوات ، و ها أنا أعود فأراها عجوزا كبرت ثمانين سنة و شاخت )) .. و ترحل " هاديا سعيد " عن بيروت بعد بغداد لكن ترى هل تستطيع أن تنأى بذاتها و ولديها عن ذلك " الوشم " الأبدى .. بل الأرجح أنها قد تسعى هى إليه مهما بعدت و حاولت أن تهرب .. كيف للإنسان أن يهرب من جنسيته ؟ كيف يتنصل من هويته ثم كيف له أن يكون له مكانا تحت الشمس و هو بلا ملامح بلا هوية ؟ .. فكيف لها مثلا أن ترتب حياة طفليها و هما بلا جنسية .. اذا كانت العراق تفرض على مواطنيها أن يجددوا بيعتهم مع الوطن و مع قائده و حزبه حتى يستطيع أن يستمتع بأحقيته فى الإنتماء لهذا الوطن ؟ و كيف تجنب أطفالها العودة إلى وطن الخوف و هى غير قادرة على منحهم جنسيتها اللبنانية التى لا تكفى أمومتها بأن يقتسموها معها بالتبعية ؟ إحساس فظيع أن تجد نفسك محاصرا ما بين رغبتين شديدتى التناقض .. و ألا تجد عونك إلا عند من تهرب منه ، لكن " هاديا سعيد " تجد نفسها كأى إنسان عربى مجبرة على المناورة و مهادنة القدر و أنظمتنا العربية الرديئة حتى آخر لحظة .. تغادر " هاديا سعيد " وطن أبنائها ثم وطنها .. إلى وطن جديد و لا يغادرها الخوف .. ففى المغرب ذلك الملجأ الجديد قد تجد مع كثير من الفارين من أرض الخوف بعض الأمان و بعض النأى عن معترك الإستقطابات و الفرز و التقارير .. و لكن لأمد محدد مؤقت بميقات يحدده الساسة و القادة هناك .. فحين تقوم الحرب العراقية الإيرانية لابد أن تحدد موقفك اما مع أو ضد .. بكل ما تستطيع و لو بأضعف الإيمان ألا و هو التبرع بمالك للمجهود الحربى ، و حين " تشع " فكرة الغزو العراقى للكويت فى عقل الزعيم عليك أيضاً أن تدعم و توافق و تؤيد أو تصبح فى خانة " الخائنين " أو مادة متاحة يوميا لكتاب التقارير .. أو المهددين أو " الشتامين " عبر وسائل الإتصال .

(( كنت أرتعد و أنا و أن اسمع من يهمس لى أن حملة تزوير بدأت فى التلاعب فى سجلات تواريخ المواليد لإلقاء القبض عليهم و سوقهم إلى ساحات القتال . إن العدو اليوم هو أقوى دولة فى العالم ، لكننا سوف نقاتلها بنسائنا و أطفالنا و " ليخسأ الخاسئون " ))



هكذا تصف كاتبتنا مشاعرها التى تضع أى أم فى مثل حالتها فى حالة هلع حتى و إن ابتعدت كثيرا عن اخطبوط الخوف العراقى .. كيف لأى أم أن تتخيل ابنها الذى لم يكمل الرابعة عشر من عمره أن يؤخذ منها عنوة ليزج به فى آتون حرب عمياء حمقاء بغيضة .. ليس بها أى ملمح من مبدأ أو منطق ؟ مما دفع العديد و العديد من العراقيين إلى " تسريب " و تخبئة أبنائهم بما فيهم من يتشدقون و يهللون و يلعنون الامبريالية و يهتفون ضد الأمريكان فى حربه على صدام لإقتلاعه من الكويت .. إنها حالة الإزدواجية التى تلون الحياة العربية جميعها ومع رفضها لتلك الإزدواجية المزينة بشعارات براقة مهترئة ليس لها محل من التطبيق أو التواجد على أرض الواقع .. تختتم الأستاذة هاديا سعيد رحلتها المثيرة إلى زمن الخوف العراقى .. مؤكدة على قيم العمل و الأمل و داعية إلى المواطنة و الإنتماء إليه عن طريق العمل العام و الإهتمام بما يحتاجه الوطن فى أدق تفاصيله و ليس فى عبارات بالبنط العريض تغلفها المتاجرة السياسية بأحلام البسطاء من الشعوب .. فهناك حقول أخرى عديدة تستدعى طاقة محبى الوطن غير التقاتل السياسى و التناحر الحزبى و الايدويلوجى .. و كأنها تستبق الأحداث لتشير لنا بتلك الكلمات إلى واقعنا العربى اليومى أكاد أحس بوقع تلك الكلمات كثيرا و أحتاج إلى ترسيخها كثيرا هنا فى مصر بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربى .. لأختتم بها أنا بدورى هذه الرحلة داخل رحلة الخوف العراقى لأستاذتنا هاديا سعيد التى تقول :

(( إذا كنا لم نتعلم الدرس لنصبح فى مواقع القوى و فى الطليعة فقد تعلمه من تطلق عليهم بعض النخب الثقافية العربية صفات " الإمبريالية " و " الإستعمار " و غيرها ... لذلك هم الآن فيما هم و فيما وصلوا إليه و لهذا نحن الآن فيما نحن عليه


إن من يريد أن يتعلم الدرس و يستخلص من تجارب الماضى حكمة معقولة لن يكون أمامه غير العمل و الأمل ))

هناك تعليق واحد: