الجمعة، 13 أبريل، 2012

سنوات مع الخوف العراقى 2







طبق الفاصوليا البيضاء .. طبق رئيسى من المطبخ العراقى لكنه هنا و مع تلك التجربة المحفوفة بالقهر لم يعد كأى طبق بل لم يعد طبقاً غذائياً بالمرة إنه ككل مفردات الحياة العراقية من أضخم الأشياء إلى أتفهها يعنى بكل بساطة معادلة سياسية معقدة و مركبة و مخيفة فى آن واحد .. هكذا يتسرب إلىّ الخوف أنا أيضاً من مجرد ذكر اسم " طبق الفاصوليا البيضاء " كذلك الأثر الذى ترك فى نفس السجين العراقى " قيس " الذى مورست عليه كافة ألوان المركبات " السيكوباتية " داخل النفس البشرية من قبل أناس يتلذذون بالتعذيب و بالفاصوليا البيضاء معا .. و كأن أستاذتنا " هاديا سعيد " أرادت أن تلقى إلينا بأول الخيط من خلال إشارتها المرهفة لتقرير " ماريو فرغاس " فى جريدة اللموند الفرنسية لنتتبع أثرها و أثر زمن " القهر " العراقى حتى داخل المطبخ و على مائدة الطعام سواء كانت يومية متواضعة مرهقة من أثر الإنتظار فى طوابير الصبر على شح الزاد و الذات معاً أو كانت موائد عامرة لا ترضى النخوة العراقية و الكرم العربى المتأصل إلا بها للضيف فى الزيارات و المناسبات و مع كل مضغة و و كل " بلعة " و كل تنفس و كأن الإنسان العربى كتب عليه ألا يمارس السياسة إلا قهرا .. و غصبا ، تفرض عليه ليلا و نهار كغموس يمرر به لقمته ليقيم صلبه و صلب أبنائه على هياكل مكوناتها الخوف و القهر و الألم .. لذا فإن تعبير " جوّع كلبك يتبعك " الذى جاء فى المثل العراقى السائد فى زمن ما و ربما إلى الآن و الذى استشهدت به أستاذتنا " هاديا سعيد " فى هذا الفصل أرى برؤيتى المتواضعة أنه يحتاج إلى التأمل و التساؤل .. هل المقصود من تجويع الشعوب هو الرغبة فى التبعية حقا ؟ أم أن هناك سادية ما مأخوذة من نفس المنطق الذى تفضل به " الزعيم " و قاله ببساطة للأستاذة " هاديا سعيد " شخصيا حين برر قراره بفصله لها بأنه ( أهم شخص فى الدولة ).. أكاد أحس أنه قرار كل " الزعماء " بالإستمتاع بحفلات القهر الجماعى لشعوبهم ليشعروا بقوتهم و تفرد مركزهم .. مثلهم فى ذلك مثل قائد السفينة الذى يغرق سفينته عامدا متعمدا ليستمتع بلذة انقاذها فى اللحظة الأخيرة .. هؤلاء الزعماء يسعون دائما إلى تلك اللحظة التى يهرع اليه مواطنيه يستصرخوه أن يفك أسر فلان أو يعفو عن فلان أو حتى يعفو عن بطونهم و بطون و أحلام أطفالهم .. هذا الإستصراخ و الإحساس بالقهر و الذل أمام " الكبار " لا يكرس لأى تبعية و إلا لكانت حاشية و زبانية الزعماء أولى بذلك التجويع .. و لكن لذة قهر الشعوب له لذة أخرى لدى القائمين عليها كلذة أطباق المائدة العراقية و أشهى فتتنوع و تتشكل و ترتفع قيمتها حسب درجة هذا القائم أو المسئول .. و ما بين هياكل الخوف التى تقيم بنيان الإنسان العراقى و هياكل الأنظمة القمعية أجد تلك العبارة المضيئة رغم ما يكتنفها من ألم و قهر تلك التى قالها " نبيل " الشاب العراقى الذى التقته و ساندته كاتبة هذه السيرة الرائعة فى مصحة خاصة بضحايا التعذيب و التى تكشف جانب إنسانى رائع من كاتبتنا القديرة أتمنى أن أقترب منه أكثر ذات يوم .. فيحدثنا نبيل عن سنوات القهر التى تلت الإنتفاضة التى حدثت سنة 1991 فى النجف ، و التى لم يشارك فيها لكنه بالتأكيد أصابه منها ما أصاب آلاف غيره فيقول : (( ربما لا يتخيل أحد يعيش على بعد أن تلك القبضة الحديدية الرهيبة التى أوهم فيها النظام الملايين ، لم تكن أكثر من هياكل عفنة . لقد نجح فقط فى إخافتنا )) و كأنه يذكرنا بالآية الكريمة فى سورة سبأ و التى تحكى عن جن سليمان :



((( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين )))



و نتابع مع أستاذتنا ملامح العراق المرتسمة على وجه نبيل تلك الملامح التى هدها القهر و الألم .. و حولها عذاب السجن إلى ملامح أخرى تحكى ذلك التاريخ الأسود فى سنوات الخوف العراقى .. فتأخذنى تلك الملامح إلى رحلة من التساؤلات .. ترى كم " نبيل " تعرض لكل تلك المآسى و لم تسمح له الظروف باللجوء إلى لندن و تلقى العلاج النفسى من أثر التعذيب ؟ بل كم نبيل ظل على قيد الحياة ؟ و كم " نبيل " فى عالمنا العربى كله ما زال يجنى حصاداً مراً مسموماً لم يزرعه بل زرعه غيره بكل الحقد و الشر فى أرضه قهرا و غصبا ؟ وكأنه كتب عليه أن يتجرع الإنكسار و الهزيمة مرتين مرة أثناء حدوث التعذيب و مرة بعد خروجه حياً من تلك النكبة و المأساة الكبرى و حمله لذلك التعذيب ما تبقى من سنى عمره و ربما يورثها لأطفاله أيضاً .. و تأخذنا ملامح " نبيل " المشوهة و هويته التائهة إلى نفس الملامح و الهوية لطائفته .. و كأن الأستاذة " هاديا سعيد " تلتقط صوراً توثيقية لما تبقى من أثر الهوية الشيعية فى عراق صدام حسين ما قبل التضييق و ما بعده و مرورا بالحدث الأهم و هو تلك الإنتفاضة التى حدثت عام 1991 فى النجف .. صورا و ملامح أكاد أتبينها للمرة الأولى عن الطقوس الشيعية بدءا من التوسل بالنذور و إضاءة الشموع و انتهاءاً بطقوس " اللطم " و ضرب الصدر .. ثم تربط كل ذلك بما وقع للشيعة فيما بعد و بما وقع للعراق بمشاركة الشيعة أيضاً عام 2003 أى عام سقوط بغداد فى براثن " الإحتلال " الأمريكى و أكاد أختلف مع نبيل و مع كاتبتى و أستاذتى " هاديا سعيد " لأول مرة .. ثم أكاد أتراجع عن هذا الإختلاف .. و أخيراً أقرر أن أقف فى منطقة وسطى و هى منطقة " الحيرة " ما بين الإختلاف و الإتفاق على الإستعانة بالأمريكان من قبل الشيعة العراقيين .. هل كان موقفا صحيحا أم خاطئاً ؟ لكن ما أستطيع أن أتلمسه هنا و أكاد أحس أنه يأخذ بيدى ليجعلنى أربط أشياءاً ببعضها ربما أكاد لا أراها رؤية واضحة .. فأحس كما لو أن الشيعة العراقيين قد مارسوا نفس طقوسهم مع المحتل الأمريكى " التوسط " و التوسل و النذور .. و أخيرا إيذاء النفس باللطم و دق الصدر و إصابة الجسد و كأنه يتخذ الطريق الأسهل بالنسبة له و الأبعد عن تحقيق الأمل و الهدف الذى لا يعرف له طريقا واضحا .. فيستسلم لإيذاء نفسه إن كان بيديه أم بإيدى الأمريكان الذى جلبهم بيديه ايضاً .. لكنها فى الحقيقة تركيبة شديدة التعقيد .. فمن جلب صدام لهذا الموقع الذى من خلاله جر العراق إلى كل تلك الويلات .. ؟ ومن كتب هذا السيناريو البائس للمنطقة بأسرها ؟ و كيف بنا ونحن أضعف ما يكون أن نفر من براثن و تشابك كل تلك السيناريوهات المحكمة .. سواء كان من المقرر أن ينفذها صدام أو ينفذها غيره ليحصدها الأمريكان و الصهاينة فى النهاية .. ماذا بإستطاعة إنسان أعزل يتقوت عليه الخوف و القهر يومياً .. خاصة حين تتكشف النهاية عن أهوال من أشلاء و جماجم و رفات و بقايا عمر و بقايا هوية .. ماذا كان بإستطاعته أن يفعل ؟ و لماذا ننتظر منه النبل فى زمن دفن فيه النبل مع تلك الشخصيات التى قيل أنها فقدت لتكتشف فيما بعد الإحتلال فى مقابر جماعية رهيبة .. و بالرغم من كل تلك الأهوال تعرض لنا أستاذتنا " هاديا سعيد " من خلال شخصية " نبيل " كم هو حجم ارتباطه و حنينه الجارف إلى العراق .. و كيف أنه ما زال صامدا أمام أى تيار يريد أن يذوبه فى وطن جديد .. صحيح أنه قرر أن " يبارك " هجمة الأمريكان لإقتلاع صدام .. لكنه منشطر نصفين ما بين روح ما زالت تسكن العراق رغم كل القهر و الخوف الساكن أيضا معهم هناك .. و ما بين رغبته فى التحرر من هذا " الغول " المخيف ايا كانت الوسائل و النتائج فيقول عندما سألته الإختصاصية الإنجليزية إن كان سيشارك فى المظاهرات المناهضة للحرب على العراق : (( نحن العراقيين أصبحنا مثل طفل يرجمه الشرير بالحجارة ثم بالعصى ثم ينقض عليه و الطفل ضعيف و قد حاول أن يدافع عن نفسه فلم يستطع فإلى من يشكو ؟ ألا يشكو إلى الأقرب ؟ إلى الأم و الأب مثلا ؟ لا يريد العرب أن يكونوا أما و أبا و كثيرون منهم ظلوا مع الشرير . طبعا ستكون أمريكا و بريطانيا هى الأم و الأب .. أليستا من أقوى بلدان العالم ؟ فلماذا لا نشكو إلى الأقوياء إذا كنا ضعفاء )) حقيقة لا أجد إجابة واضحة و محددة على ما تساءل عنه نبيل .. بل لا أجد إجابة واضحة و محددة عن كل تلك التساؤلات التى تعيد صياغة نفسها فى عقلى الذى تربى على أفكار محددة و قيم نعدها ثوابت .. فإذا بها تصطدم بواقع أقل ما يقال عنه أنه هزلى ليس به قيمة واحدة ثابتة بل حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يتبعون مبدءاً معينا و يكادوا يقنعوننى أنهم مستعدون للتضحية من أجله أجدهم أيضاً عند المحك يكيلون بأكثر من مكيال .. فعلى سبيل المثال جميعنا نحفظ فى قلوبنا و عقولنا قيمة الإنتماء إلى الوطن و الإستعداد للتضحية من أجله .. لكن كيف هو الحال إن اختصر الوطن و اختزل فى صورة " قائد " أو زعيم أو حزب معين يجبر حتى الأطفال على دخول الجيش و لو جيش " مصغر " أو دفع كل أفراد الشعب حتى من ألحق بنفسه " عاهة " كذريعة للهرب و يدفعهم دفعا إلى التدريب و الإستعداد لحرب مختلقة وهمية مع عدو آخر .. لماذا أقدم نفسى قرباناً لتضخيم ذات ذلك الزعيم ؟ و لماذا أزج بأطفالى فى آتون حرب لا أعرف عن أسبابها شيئاً و لا أؤمن بقضية ما تجاهها .. هل أصبح وطنى هو حزب البعث حتى أدافع عن " نزق " و حماقة و شراسة قادته ؟ حقيقة أحس أننى و أنا أقرأ تلك السيرة الذاتية للكاتبة المبدعة " هاديا سعيد " أنها لا تسلط الضوء على العراق فحسب أكاد أشعر أن العراق وطن ممتد من المحيط إلى الخليج .. أكاد أن أكون " نبيل " أو " قيس " أو أم خضير أو أى إنسان آخر يعيش تحت هذه الشمس العربية " الحارقة " و القاهرة و " الكاشفة " فلا يستطيع أحد الفرار أو الهرب . . و هذا ما أحسه تماماً و تصفه بدقة " موجعة " كاتبتنا حين رحلوا أخيراً إلى لبنان موطنها .. فإذا بها هى أيضاً نصفين كبيروت مدينتها الأم .. " هاديا سعيد " لم تستطع أن تفر من " عراقيتها " المكتسبة حتى و هى فى وطنها الأم لا هى قبلت أن تنفى عنها هواها العراقى و تدير له ظهرها و لا هم اعتبروها لبنانية " خالصة " لم يعد لها بالعراق أى صلة حتى لا يحسبوا عليها خطواتها و تنفسها فى أرضها .. حقيقة هذه هى المرة الأولى التى أدرك بقوة معنى تلك العبارة التى كان يرددها اللبنانيون دوما و هى أن " الكبار " يتخذون من بيروت ساحة لممارسة حماقتهم و دمويتهم .. و أكاد أضحك لكنه ضحك كالبكاء .. حين تخيلت سجناً كبيرا تمارس فيه كل ألوان التعذيب و رغم ذلك ملحق به " شرفة " واسعة تطل على كل ألوان الملذات و الحرية .. فطبيعى أن يحاول أغلب المسجونيين الهرب إلى تلك الشرفة .. و بالطبع بديهى أن يسعى سجانيهم إلى اصطيادهم من جديد فى تلك الشرفة .. لكن المفارقة أن السجانين أيضا يريدون أن يمارسوا حريتهم و يتنازعون مع مسجونيهم على تلك الشرفة ولكنهم هم أيضاً خائفين من آخرين ورائهم .. و هنا تصبح " الشرفة " مسرحاً لألعاب بهلوانية و سحرية و أيضا قتالية عنيفة .. لذلك تقول الأستاذة " هاديا سعيد" فى عبارة بليغة : (( لم يكن الخوف العراقى فى بيروت بأقل او أكثر من الخوف اللبنانى و ربما العربى بعد أن أصبحت بيروت ملجأ بعد أن كانت منارة )) ثم تضيف واصفة لبيروت التى لوحتها أثار لعب " الكبار " فتقول فى فقرة يلفها الشجن : (( لم تكن بيروت فى تلك الفترة كعهودها الماضية كريمة فى الترحاب و مساحات الحرية كأنها أصبحت ظل الحرية الواهن تتكىء على شرخ جعلها مدينين شرقية و غربية و هياكل مبان ٍ شهدت لحظة التحامها بعصر ذهبى جميل و مثمر و منعش و لو أنه كان أيضاً فوق سطح رخو . كانت مدينة مرهقة بكل الأيدلوجيات التى تترجم نفسها فوق أرضها بأشكال من العنف و الشراسة . كنت قد غادرتها قبل ثمانى سنوات ، و ها أنا أعود فأراها عجوزا كبرت ثمانين سنة و شاخت )) .. و ترحل " هاديا سعيد " عن بيروت بعد بغداد لكن ترى هل تستطيع أن تنأى بذاتها و ولديها عن ذلك " الوشم " الأبدى .. بل الأرجح أنها قد تسعى هى إليه مهما بعدت و حاولت أن تهرب .. كيف للإنسان أن يهرب من جنسيته ؟ كيف يتنصل من هويته ثم كيف له أن يكون له مكانا تحت الشمس و هو بلا ملامح بلا هوية ؟ .. فكيف لها مثلا أن ترتب حياة طفليها و هما بلا جنسية .. اذا كانت العراق تفرض على مواطنيها أن يجددوا بيعتهم مع الوطن و مع قائده و حزبه حتى يستطيع أن يستمتع بأحقيته فى الإنتماء لهذا الوطن ؟ و كيف تجنب أطفالها العودة إلى وطن الخوف و هى غير قادرة على منحهم جنسيتها اللبنانية التى لا تكفى أمومتها بأن يقتسموها معها بالتبعية ؟ إحساس فظيع أن تجد نفسك محاصرا ما بين رغبتين شديدتى التناقض .. و ألا تجد عونك إلا عند من تهرب منه ، لكن " هاديا سعيد " تجد نفسها كأى إنسان عربى مجبرة على المناورة و مهادنة القدر و أنظمتنا العربية الرديئة حتى آخر لحظة .. تغادر " هاديا سعيد " وطن أبنائها ثم وطنها .. إلى وطن جديد و لا يغادرها الخوف .. ففى المغرب ذلك الملجأ الجديد قد تجد مع كثير من الفارين من أرض الخوف بعض الأمان و بعض النأى عن معترك الإستقطابات و الفرز و التقارير .. و لكن لأمد محدد مؤقت بميقات يحدده الساسة و القادة هناك .. فحين تقوم الحرب العراقية الإيرانية لابد أن تحدد موقفك اما مع أو ضد .. بكل ما تستطيع و لو بأضعف الإيمان ألا و هو التبرع بمالك للمجهود الحربى ، و حين " تشع " فكرة الغزو العراقى للكويت فى عقل الزعيم عليك أيضاً أن تدعم و توافق و تؤيد أو تصبح فى خانة " الخائنين " أو مادة متاحة يوميا لكتاب التقارير .. أو المهددين أو " الشتامين " عبر وسائل الإتصال .

(( كنت أرتعد و أنا و أن اسمع من يهمس لى أن حملة تزوير بدأت فى التلاعب فى سجلات تواريخ المواليد لإلقاء القبض عليهم و سوقهم إلى ساحات القتال . إن العدو اليوم هو أقوى دولة فى العالم ، لكننا سوف نقاتلها بنسائنا و أطفالنا و " ليخسأ الخاسئون " ))



هكذا تصف كاتبتنا مشاعرها التى تضع أى أم فى مثل حالتها فى حالة هلع حتى و إن ابتعدت كثيرا عن اخطبوط الخوف العراقى .. كيف لأى أم أن تتخيل ابنها الذى لم يكمل الرابعة عشر من عمره أن يؤخذ منها عنوة ليزج به فى آتون حرب عمياء حمقاء بغيضة .. ليس بها أى ملمح من مبدأ أو منطق ؟ مما دفع العديد و العديد من العراقيين إلى " تسريب " و تخبئة أبنائهم بما فيهم من يتشدقون و يهللون و يلعنون الامبريالية و يهتفون ضد الأمريكان فى حربه على صدام لإقتلاعه من الكويت .. إنها حالة الإزدواجية التى تلون الحياة العربية جميعها ومع رفضها لتلك الإزدواجية المزينة بشعارات براقة مهترئة ليس لها محل من التطبيق أو التواجد على أرض الواقع .. تختتم الأستاذة هاديا سعيد رحلتها المثيرة إلى زمن الخوف العراقى .. مؤكدة على قيم العمل و الأمل و داعية إلى المواطنة و الإنتماء إليه عن طريق العمل العام و الإهتمام بما يحتاجه الوطن فى أدق تفاصيله و ليس فى عبارات بالبنط العريض تغلفها المتاجرة السياسية بأحلام البسطاء من الشعوب .. فهناك حقول أخرى عديدة تستدعى طاقة محبى الوطن غير التقاتل السياسى و التناحر الحزبى و الايدويلوجى .. و كأنها تستبق الأحداث لتشير لنا بتلك الكلمات إلى واقعنا العربى اليومى أكاد أحس بوقع تلك الكلمات كثيرا و أحتاج إلى ترسيخها كثيرا هنا فى مصر بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربى .. لأختتم بها أنا بدورى هذه الرحلة داخل رحلة الخوف العراقى لأستاذتنا هاديا سعيد التى تقول :

(( إذا كنا لم نتعلم الدرس لنصبح فى مواقع القوى و فى الطليعة فقد تعلمه من تطلق عليهم بعض النخب الثقافية العربية صفات " الإمبريالية " و " الإستعمار " و غيرها ... لذلك هم الآن فيما هم و فيما وصلوا إليه و لهذا نحن الآن فيما نحن عليه


إن من يريد أن يتعلم الدرس و يستخلص من تجارب الماضى حكمة معقولة لن يكون أمامه غير العمل و الأمل ))

الخميس، 22 مارس، 2012

سنوات مع الخوف العراقى (1)




هل للخوف خصوصية ما ؟ هل له جنسية أو هوية .. أو تاريخ ؟ أم أن



 كلها مشاعر واحدة تتشابه و تتغلغل فى نفس الإنسان و تكبله و تخلق



 ظلالاً كثيفة من الوهم المميت ؟ التساؤل يفرض نفسه حين تواجه ذلك



 العنوان الذى وضعته أستاذتنا : " هاديا سعيد " لتلك السيرة الذاتية



 التى تحكى تجربة عاشتها فى سنوات الخوف و الرهبة فى عراق "



 صدام حسين " منذ كان نائباً .. فى سبعينيات القرن الماضى إلى أن



 كتب الله لها الفرار من هذا السجن الكبير و عائلتها الصغيرة مع بداية



 الثمانينات و قد أجد إجابة على تساؤلى هذا فى ختام الفصل الأول من



 هذه التجربة المثيرة و الفريدة حين تقول كاتبتنا القديرة : (( لكن من



 يقول لى إن ما حدث فى العراق يحدث فى كثير من البلدان العربية



 سأظل أقول له : لا و أكررها .. لا .. لا .. لا فقد عشت فى أكثر من بلد



عربى ــ و سوف أروى تفاصيل ذلك فى أوراق أخرى ــ و عرفت و



 وعيت معنى الحدود و الرقابة و التضييق ، لكن عهود العراق دموية و



 فجة و مريعة فليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس و الذرية



 و الإرث كما عاشته بيوت بغداد ، و ليس هناك بلد أبيحت فيه كميات



 من الدماء و عدد من الرقاب و الأوصال المقطوعة كما حدث فى



 العراق ، و ليس هناك بلد عرف قهر الخوف و ذل الصمت مثل العراق



 ، فلم يمنع شعب من السفر كما منع شعب العراق و لم يحصل فرد فى



 شعب على أبسط حق فى اللقمة و كأنه هدية أو منحة كما حصل لشعب



 العراق، و أخيرا و ليس آخراً ليس هناك شعب طوق إيمانه و اغتيلت



 هويته كما حدث لأهل النجف و للأكراد فى العراق )) .. فبرغم أن كثيرا



 مما ورد فى هذا الكتاب الهام قد لامس لدى إرث طويل من حكايا



 القهرعن مصر عبد الناصر .. إلا أن لحكايا القهر العراقى التى رصدتها



 و رسمتها الأستاذة : " هاديا سعيد " كان لها وقع آخر عندى حيث



 تغمست بقدر كبير من السواد و الألم النفسى الذى يحاصرك فى كل



 مكان حين تجد نفسك و قد حاصرتك قوى الإذلال حتى داخل تلافيف



 مخك و ربما أحلامك فأتعجب كثيرا أو ربما فقدت المقدرة على التعجب



 من بشاعة و هزلية ما قرأته .. حين يكون الزعيم و هو لا يزال " نائباً



 " مفروضا عليك فرضا حتى فى غرفة نومك .. يراقبك من خلال



 صورته الموقرة و " المقدسة " التى كانت تكتب التقارير عن وجودها



 و حتى عن موضعها .. و إذا ما وضع أمامها شيىء قد يحجب أنف أو



 أذن سيادته .. من خلال بعض المواد التموينية فى احدى البقالات



 الصغيرة مثلا و التى قد لا تتسع إلا لصورته المقدسة فقط .. حيث أن



 حجمها مفروض أيضاً .. أى سخرية سوداء أو " مسخرة " تلك



عشناها و نعيشها كشعوب عربية تنفست الخوف و رضعته و تغذت



 عليه و شربته ؟ و لا يقل لى أحد أننا قد نلتمس لأولئك الزعماء أحيانا



 البراءة من كل تلك " التجاوزات " لأن هناك حاشية تتصرف بملكية



 أكثر من الملك .. فها هو ذلك الموقف المباشر الذى تعرضت له "



 كاتبتنا " ذاتها مع " النائب " صدام حسين فى بدايات السبعينيات



 حيث شاءت الأقدار لها أن تقف لتتحدث أمامه أثناء زيارة له لمؤسسة



 إعلامية كانت تعمل بها .. لكن حظها السيىء و ربما حظنا نحن الحسن



 رغم ألمه أن نعرف عن تلك الكواليس المشوشة شيئاً صارخاً يؤكد



 كيف كان ذلك " الزعيم " يفكر و يمارس جبروته المريض على



 شعبه .. المهم أعود إلى حظ أستاذتى " هاديا سعيد " حينما جاء موعد



إلقاء كلمتها فتقرر أخذ فترة استراحة لمدة ساعتين .. ذهبت خلالها إلى



 بيتها لتجد مفاجأة أخرى من مفاجأت السياسة العربية المتوارثة أبا



 عن جد .. إذ وجدت شقيقتها و أسرتها و قد وصلوا توا من جحيم



 الحرب الأهلية اللبنانية يحملون معهم كل صور المآساة مجسدة .. فما



 كان منها إلا أن اعتذرت عن العودة لإلقاء كلمتها التى كان مقرر لها أن



 تلقيها قبل ساعتين من تلك اللحظة المحفوفة بالخطر و القهر .. و لكن



 الزعيم القائد الذى كان لا يزال " نائبا " لا يقبل الإعتذارات فهو كما



 قال لها فيما بعد و مباشرة وجها لوجه حين وجدت نفسها " مفصولة



 " من عملها فى اليوم الثانى مباشرة لتلك الحادثة .. فذهبت تلتمس



 لديه حقها المغبون و هى تضع سلامة النية التى أحيانا نبرر بها



 لزعمائنا تصرفاتهم المريضة .. من أنه ربما يكون أحدهم قد تصرف



 ذلك دون أن يرجع إلى " القائد " الذى بالتأكيد لا يرضى بالظلم .. فإذا



 بالقائد الذى لا يرضى بالظلم يرفض أن تظلمه " هاديا سعيد " بأنه لا



 يقدر على اتخاذ مثل هذا القرار فيقول لها : (( من فصلك هو أنا .. أنا



 صدام حسين الذى أصدرت أمراً بفصلك )) .. ثم برر ذلك بقوله و هو



 بالطبع لا يحتاج إلى مبررات : (( كيف يمكن أن يحضر أهم شخص فى



 الدولة و لا يحضر موظف ؟ هل مشغولياتك أهم )) حقيقة .. أنه أعطانى



 ما كنت أبحث عنه بشكل واضح و صريح و فج أيضاً .. فقد كنت أحيانا



 أحاول أن أتفهم سيكولوجية مثل هؤلاء الناس و كيف هى مبرراتهم لأن



 تصبح شعوبهم مجرد تلة يصعدون فوقها ليمارسوا جنون عظمتهم .. و



 كيف تسمح لهم نفوسهم التى هى ليست أكثر من ماء و طين مثل كل



 البشر بذلك .. فإذا بالرجل يعطينى السبب واضح و صريح و دون أى



 التباس أو ادعاء لتواضع زائف .. فهو بالفعل يرى نفسه " أهم "



 شخص فى الدولة و من هنا تصغر و تتلاشى كل المطالب و الأمور و



 الشعوب أيضاً .. لكن سيادته تكرم بألا يسجن هذه الإنسانة الرقيقة التى



 جاءت من بلدها لبنان الذى كان مسرحا للحريات قبل أن يكتوى



 بنارها .. و اكتفى و أنعم عليها بالفصل فقط من عملها .. هكذا قال لها



 صراحة .





" التبعيث " و ما أدراك ما التبعيث إنها كلمة تعنى لى القهر فى كل



 صوره .. أستشعر ما روته لنا أستاذتنا و كأن قطار التبعيث المحمل



بالرهبة و القهر آت إلى أنا شخصيا لا محالة .. أتسمع دبيبه على



 قضبان الترقب على بعد أميال .. لكنه قادم هكذا وصلنى ذلك الإحساس



 القاهر الذى حكته لنا بالتفصيل كاتبتنا الرائعة جعلتنى حينها استحضر



 عدة مشاهد سيئمائية شهيرة سكنت فى الضمير الإنسانى لكنها بكل



 تأكيد لم يكن وقعها كمن عاصرها و عاش لحظاتها فى الواقع .. كلمة



التبعيث تلك جعلتنى أتذكر و استحضر مشهد " جز " شارب محمد ابو



 سويلم أو الفنان الكبير محمود المليجى فى فيلم الأرض .. على سبيل



 المثال .. و جعلتنى استحضر مشاهد الخوف و الرهبة فى الفيلم



 الأمريكى الشهير " حقول القتل " المنقول عن الواقع الأليم فى "



 كمبوديا " ابان ثورة الخمير الحمر حين يصبح الخوف شبح يتسلل



داخل أعماقك و داخل فكرك حتى يتوقف العقل تماما و يفكر فقط فيما



 سيحدث له إن أخطأ بكلمة أو تنفس بطريقة مخالفة لنمط " التبعيث "



 المفروض فرضا و قسرا من خلال تلك الوثيقة التى يجب أن يوقع



عليها الجميع خاصة فى الوسط الصحفى الذى عملت فيه الأستاذة هاديا



 سعيد و زوجها الشاعر العراقى جليل حيدر فى تلك الفترة العصيبة .




و كما حدثتنا الأستاذة " هاديا " من خلال رؤية المسئولين و



 الصحفيين و النقاد للأفلام على سبيل المثال .. فليس المهم أن يكون



الفيلم فيه إبداع من حيث القصة أو الفنون السينمائية و لكن الأهم هو



 إقترابه من الفكر " البعثى " و لذلك كل كلمة ربما تفسر من قريب أو



 بعيد لا تدعم تلك الفكرة فهى مبتورة لا محالة .. و بالطبع تلك الرؤية



 ليس لها رؤية سوى إرضاء النظام بمعنى أن كل فرد فى موقع



 المسئولية يقرر إن كان ذلك ضد البعث أم لا كيفما يتراءى له .. و نمر



 من خلال كلماتها فى دهاليز و كواليس أستطيع أن أقول لو كان أحد



 كتب عنها غير أستاذتنا المحترمة و المهذبة هاديا سعيد لكانت وجبة



 شهية تحفل بكل ما لذ و طاب من مشهيات النميمة و التوابل التجارية



 لأنها تحفل بأسماء شخصيات عامة نعرفها قريبة منا من الكتاب الكبار



 و الممثلين و الصحفيين .. لكننى و برغم ذكر أسماء بعض من هؤلاء



 الناس أشعر بشديد التحفظ و الأدب و الخلق الراقى فى عرض تلك



الصور و النماذج التى ساهمت فى إعلاء " العرش البعثى الصدامى



 " .. و فى مقارنة رقيقة هامسة غير متكلفة كلغة هاديا سعيد دوما ..



 تعرض النموذج الرحبانى و ال " فيروزى " كوجه مناقض لتلك



 الأسماء .. و ربما أن هناك أناس قد يلوحون بإتهام لها بأنها تتحيز



 للبنانيتها فتعرض الصورة المضيئة لفيروز فى مقابل الصور المشوشة



 " المغبشة " لبعض الفنانيين و الكتاب المصريين و العرب .. لكنها



 حقيقة تستطيع أن تفرض عليك إحتراما بالغا لتلك المقارنة لأنها لم



 تضعها أصلا فى شكل مقارنة فجة و واضحة .. فهى تعرضها بسلاسة



 دون تزيد أو مبالغة كما هى لغتها دوما .. بالإضافة أن النموذج الذى



 اختارته و هو الفنانة الكبيرة فيروز و الأخوين رحبانى يستطيع الجميع



 أن يتفق على احترامهم لذواتهم و قيمتهم التى نأت من بداياتهم إلى



 يومنا هذا عن مستنقعات السياسة و " العك " العربى .




ـــ  دوائر الخوف .. هى ما أستطيع أن أسمى بها الفصل الثانى الذى



 قسمته كاتبتنا إلى 19 وجه للخوف .. تتشكل فى صورة دوائر تضيق



 حتى تحكم قبضتها على ذاتك التى تتعلم شيئا فشيئا كيف تصبح رقيب



 نفسك كما وصفته الأستاذة هاديا .. من خلال بعض التعبيرات كأن



 تستبدل عبارة الشعوب العربية بالشعب العربى و أن تستبدل البلد



 العربى بالقطر العربى .. و أن تتعلم لمن تهدى التحايا و من تسرع



 هربا من أن تصدر منك تحية عابرة قد تكشفك أو تعرضك لتقرير ما ..



و تتعلم أن تلقن أبناءك الأناشيد و الأغنيات التى لا تضعك فى موضع



 الخطر .. كل ذلك فى إطار وصفته كاتبتنا بالإزدواجية التى استشعرتها



 منذ اللحظة الأولى التى خطت قدماها أرض العراق و هى عروس



 تتزين ببراءة التجربة و الخبرة و شغف الإكتشاف ، فيظهر ذلك من



خلال أبسط الأشياء فأنت هناك فى عراق صدام لا تبرح بؤرة



 السياسة .. حتى و إن تناولت موضوعا صحفيا يناقش بيع الملابس



 المستعملة كما تحكى لنا أستاذتى هاديا سعيد عن تجربتها .. هنا تظهر



 الإزدواجية المغموسة بالخوف و الخطر .. فالجميع يعلم أن هناك "



 إرساليات " لملابس مستعملة تأتى من دول الغرب كبريطانيا و



 أمريكا .. لكن الحذر كل الحذر أن تظهر ذلك فى تقريرك و تظهر أن



 العراقيين يقبلون على شراء هذه الملابس أكثر من التى تأتى من دول



 كالصين و دول الأوربا الإشتراكية .. بل أن القائد ذاته يرتدى القبعة



 الغربية و المعطف الإنجليزى الذى جعل الكثير من القرويين يطرحون



الزى التقليدى و يقتدون بقائدهم و أناقته .. الخوف و السياسة



 تحاصرك حتى فى أروقة الشعر بل أن شعراء الجاهلية الكبار قد



يصنفون حزبيا هذا بعثى و هذا شيوعى .. الدوائر تتنوع و تتسع .. و



 تتسع و أنت منها كالطير الضعيف الذى لا يستطيع التحليق كما وصفت



 هاديا سعيد نفسها و هى تبحث عن دائرة تحتمى بها أو تنتمى إليها ..



ربما دفعها ذلك الإحساس دفعا لأن تزج بنفسها داخل دائرة المقاومة



الفلسطينية فى العراق أو داخل دائرة الحزب الشيوعى .. لكنها سرعان



 ما اكتشفت أنها تحتمى بدائرة خانقة جديدة .. تمارس الإزدواجية و



 التضييق مما أشعرها بغربة أكبر .. بل إن المفارقة تأتى حينما تتسع



 الدائرة أكبرو أكبر حين نتجه صوب العالم فتكشف لنا دوائر الخوف عن



كتاب كبار عالميين ك " هيمنجواى " على سبيل المثال كانوا يمارسون



كتابة التقارير و كأنها طبيعة إنسانية متأصلة .. ثم تظهر المفارقة أيضاً



 عندما تجد الكاتبة و أسرتها فى موسكو طوق نجاة ينتشلها من براثن



 الخوف فإذا بهم يصنفونهم و يفرزونهم أيضاً قبل أن يقبلوهم على



 أرضهم حيث أن الأخ الأكبر غير الشقيق للشاعر جليل حيدر كان



 يصنف فى السياسة الروسية كأحد المنشقين عن الحزب الشيوعى ..



 ليتأكد لنا أن دوائر التوجس و الريبة و الخوف و القلق ربما تكون



 دوائر كونية .. و كأننى أستمع إلى أغنية جميلة للرائعة فيروز من



 مسرحية " صح النوم " تقول فيها : (( وين بدو الديب يهرب من وج



 الشمس ... وين بدو الطاير يهرب من وسع السما .. وين بدنا نسافر ..



 و ين بدنا نهاجر .. وين بدنا نغيب .. من ها الشمس ال ما بتغيب ))



 لكن تلك الأغنية الساحرة تتأكد و تتأصل و تكون واقعا يمشى على



 الأرض يصاحب كاتبتنا و أسرتها الصغيرة حينما تصف وصولها "



 هربا " من بغداد إلى بيروت .. و كأنها تهرب من الجحيم إلى الجحيم ..



 تصفها فى فقرة شديدة البلاغة و الأثر و التعبير عن واقعنا العربى و



 عن حال الإنسان فيه .. بل و ربما فى العالم بأسره الذى تتحكم فيه



 السياسة و تديره كقطع الشطرنج .. فتقول فى ختام الفصل الثانى



 المعنون بالخوف : (( ما أن حطت الطائرة فى مطار بيروت و استقبلنا



 موظفو الجمارك باحتجاز لساعات حتى أدركت أنه لا خلاص لنا من



 هذه الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة بالتطويق . كنت أحمل



 طفلى الرضيع و أمسك بيد طفلتى و أقف تحت صورة الرئيس حافظ



 الأسد فى إحدى غرف الإنتظار فى مطار بيروت و الموظف يقلب



صفحات جواز سفر طفلى العراقيين يسألنى و يعيد الأسئلة : لماذا تكون



 الأم لبنانية و الطفلان عراقيين ؟ من أين أنتم قادمون ؟ و لماذا تقيمون



 فى العراق ؟ هل ستعودون ؟ و متى تعودون ؟ ثم يرسل الجوازين إلى



 قسم التدقيق و يطلب منى الانتظار فأنتظر ساعات ))




(( اكتشفت فى هذه المرأة ، الصلابة والعناد و الثقافة ، و كذلك



المقاومة بشتى السبل ، و بأسلوب يختلف تماما عن أسلوب الرجل ،



اكتشفت ضمها للجروح سواء جروح الذات أو الأهل أو الأحباء من



الرجال ، آباء و أزواجا و إخوة و عشاقا . اكتشفت تمسكها بخزين



 الكبرياء ، و هى سمة و سمت العراقيين عموما ، كأن أم العراق الأولى



 أضرعتهم هذا العناد والكبرياء ، و كأنها قبل ذلك صاغتهم بتلك



 الجينات ، و لعل جينات الكبرياء ورثت من الأم فيما ورثت جينات العناد



 من الأب ! ))




هكذا تحكى لنا " هاديا سعيد " فى الفصل الثالث عن المرأة العراقية



 التى خبرتها جيدا و تقابلت معها فى كل الصور سواء كانت إمرأة عادية



 بسيطة لم تتلق قدر من التعليم أم كانت متعلمة و مثقفة و حاصلة على



 شهادات و مراكز مرموقة ، و كأنها قابلت " العراق " فى صورته



 الأصلية مجسدا فى إمرأة لكن السياسة لا تغيب أبدا عن ملامحها و



 سرها و علانيتها داخل بيتها و خارجه و فى علاقتها حتى بالرجل



 الأبناء و الأخوة و الجيران . بل فى كتابتها كمثقفة و صحفية و أديبة ..



 فأتعرف من خلال أستاذتنا " هاديا سعيد " على أول روائية عراقية "



 رسميا " و هى سميرة المانع و روايتها الأولى السابقون و



اللاحقون .. و على الرغم من مساندة الدولة لكاتبة هذه الرواية



 باعتبارها تدشن انطلاق الرواية النسائية فى العراق و كجزء من



 التلميع الثقافى للنظام إلا أنها لم تسلم من التدخل السياسى رغم ما



 تخبرنا به الأستاذة هاديا سعيد من بعد الرواية تماما عن أى اتجاه



 سياسى مما يؤكد على ما لفتت إليه أنظارنا فى الفصل السابق من تلك



 الإزدواجية التى تمنهج الحياة السياسية فى تلك الفترة .. لكن العجيب



 أن يعترف الرقيب لسميرة المانع نفسها بعد سنوات من منع روايتها



الثانية " الثنائية اللندنية " من التداول فى العراق رغم أن سميرة



 المانع قد تحسب على النظام و لكن من خلال عملها فهى لم تنتمى لأى



 حزب .. فيقول لها ذلك الرقيب بكل بساطة أنه فعل ذلك ليقال أنه فعل



شيئا !! .. لكن ثمة ارتباط " اخطبوطى " ما بين كل أنواع "



 الإزدواجيات " العربية المتشابكة التى لا تعطى مثلا فى رداءة التفكير



 أو دموية السلوك فقط بل تفرد مساحة ضوء تكشف مدى الفساد الذى



 مورس على كل الساحات العربية بإستخدام شعارات رنانة لقضايا



 مصيرية متجذرة أريد لها أن تستمر و تبقى كى تبقى تلك الأنظمة و



 المنظمات .. مثل القضية الفلسطينية التى ظلت مصدراً خصبا لتجارة



 رابحة إلى يومنا هذا .. فقد لفت نظرى تلك الحادث التى أشير لها من



خلال رواية سميرة المانع " الثنائية اللندنية " عن مقتل ممثل منظمة



 التحرير الفلسطينية سعيد الحمامى فى لندن .. و قد تصاعدت الهمسات



 أن " القاتل " يقبع خلف منظمة التحرير العربية " العراقية " و هذا



 فيما يبدو ما جعل هناك أسباب قوية لمنع هذه الرواية و ليس لمجرد أن



 يفعل الرقيب شيئاً كما ذكر لكاتبتها ذلك .. و هو الأمر الذى يلقى بظلال



 الخوف و الرعب على كل من يرتبط بصلة ما بالعراق سواء فى الداخل



 أو الخارج .. فجميعنا يعرف الدور الذى مارسه " صدام حسين " فى



 تهديد دول الخليج للضغط عليهم فى مقاطعة مصر على كافة الأصعدة



 بعد زيارة السادات للقدس .. و ربما كان سعيد الحمامى ينظر إلى



 القضية بتلك الرؤية المتخطية لشعارات زائفة يعرف مدى صدقها لقربه



 من تلك " الشبكة " الأخطبوطية ، حقيقة أشعر و أنا أقرأ هذه السيرة



الذاتية لأديبتنا القديرة " هاديا سعيد " أننى أمام نوع آخر من "



الكشف " الذى ستوظفه فيما بعد فى روايتها الرائعة : " حجاب كاشف



 " فكم إنسان و إنسانة عربية مثلى لم ير إلا ما هو فوق السطح .. و



 ربما يستمع لهمسات و خبايا لكنها قد تشكل لنا حكايا مبهمة تشبه



الأساطير المرعبة إلى حد ما .. لكنى هنا من خلال وقفات حقيقية و



 منطقية جدا تسلط الضوء على ما كان يتفاعل تحت السطح .. حتى إذا



ما ربطنا كل الأحداث ببعضها البعض من بداية بزوغ نجم صدام حسين



 إلى رحيله " شنقاً " فإذا بنا أمام رؤى تكاد تكون شديدة الوضوح و



كأننا أمام لعبة " بازل " نستجمع تلك القطع و نرتبها لتظهر الصورة



 بشكلها الحقيقى .. و كأننى هنا أعيد تكرار عبارة إستعارتها أستاذتنا "



 هاديا سعيد " عن الأديب الأردنى " غالب هلسا " من أن بغداد مدينة



تفتتنا و تعيد تركيبنا من جديد .




لكن تلك الرؤية التى تعرضها كاتبتنا من خلال عدسة مقربة داخل



 المجتمع الثقافى النسائى العراقى تلقى أيضاً بظلالها على دور تاريخى



 لعبته الأنثى من أجل تضخيم السلطة و تغلغل نفوذها .. فالرؤية



 التاريخية و إن كانت تحصر دور " الأنثى " فى علاقات سرية بين



 أفراد يشكلون هيكل عام يسمى " السلطة " إلا أنها هنا فى هذه السيرة



 الذاتية الهامة جدا .. تعطى منظورا جديدا فبرغم أن المثقفات العراقيات



 لم يسلمن من الضغط السياسى إلا أنهن أيضاً انتهزن الفرصة و



 إستخدمن " مصعد " التقرب إلى دائرة السلطة لأسباب عديدة ليست



كلها " الخوف " و الرعب .. فهناك من وظفت و تحاول أن توظف



 غيرها بإلحاح شديد فى كتابة التقارير .. بل و فى التجسس على



 الجلسات الخاصة للمثقفين .. و هناك من تصل " أحلامها " إلى ما هو



 أبعد فتناصر القائد إلى حد " الوله " الأنثوى .. و العجيب أنها تتنقل



 من قائد إلى قائد كفراشة تغير ألوانها الزاهية كل يوم .. لذا كان تعبير



 الأستاذة هاديا سعيد فى موضعه و يضع خطوطا تضع قانونا لمهنة



 الكلمة خاصة بالنسبة للكاتبات و بشكل عام أيضاً .. فتقول : (( لا أحد



 يدرى إلى اليوم مدى حقيقة هذه الكواليس لكن كثيرين يعرفون ــ و أنا



 واحدة منهم ــ أن بعض الكاتبات فى زمن الخناقات السياسية لم



حمائم ، و ما عادت الأنوثة سمة الرقة أو العاطفة و ما عاد الأدب



النسائى أمام هذا الطغيان السياسى يعبر عن الذات الكاتبة " الأنثى "



 بل أرى أن علينا التأمل و الإنطلاق من معطيات فرضها الظرف



من جهة واختارتها بعض الكاتبات دون أى ضغوط حقيقية ، سوى ضغط



النفس الأمارة بالسوء أو الإعتداء أو الاستفادة المادية ))




و لتسمحوا لى بأن أستكمل معكم باقى هذه الرؤية المتواضعة للسيرة



الذاتية الرهيبة لزمن الخوف العراقى لأستاذتى القديرة : هاديا سعيد فى



 حلقة مقبلة قريباً بإذن الله .. فإلى هذا الحين و كل الأحيان تقبلوا كل



 تحياتى و تقديرى